الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

218

مناهل العرفان في علوم القرآن

بعد ما تدنّست جوانب الأرض بالوثنية ، وقد استمر الأنبياء بعد موسى يدعون قومهم إلى التمسك بتلك الشريعة إلى أن كان آخرهم عيسى صلّى اللّه عليه وسلّم جاء مخلصا لروحها مما عرض عليه من البدع . ثم طال الأمد على قومه فأصابهم ما أصاب من قبلهم من الاختلاف في الدين ، وحجب نوره بالبدع ، وإخطاء معناه بالتأويل ، وإحداث ما ليس منه بسبيل ، فمنّ اللّه على البشر ببداية تاريخ ينسخ جميع تلك التواريخ ، ويفصل بين ما سبق من أطوار الانسانية وبين ما يلحق ، وهو عهد ظهور النور المحمدي من مكة المكرمة . وإليه أشار بذكر البلد الأمين . وعلى هذا القول الذي فصلنا بيانه ، يتناسب القسم والمقسم عليه . ا ه ما أردنا نقله . الشبهة الخامسة يقولون : إن القسم المكي من القرآن قد اشتمل على لغو من الكلام في كثير من فواتح السور مثل « ألم وكهيعص » . وذلك يبطل دعوى المسلمين أن القرآن بيان للناس وهدى ، وأنه كلام اللّه . وأىّ بيان وأي هدى في قوله ( ألم ) وقوله ( كهيعص ) ؟ بل هذه الأحرف وأمثالها في غاية البعد عن الهدى ، بدليل أنه لم يهتد أحد منهم ولا الراسخون في العلم لإدراك معناها . فالخطاب بها كالخطاب بالمهمل ، وإنما هذه الألفاظ من وضع كتبة محمد من اليهود تنبيها على انقطاع كلام واستئناف آخر ، ومعناها ( أوعز إلىّ محمد ) أو ( أمرني محمد ) يشيرون بذلك إلى براءتهم من الإيمان بما يأمرهم بكتابته . وقريب من هذا قول بعضهم : إن الحروف العربية غير المفهومة المفتتح بها أوائل بعض السور ، إما أن يكون قصد منها التعمية أو التهويل أو إظهار القرآن في مظهر عميق مخيف ، أو هي رمز للتمييز بين المصاحف المختلفة ثم ألحقها مرور الزمن بالقرآن فصارت قرآنا .